الرئيسية » قدوة » مع الشيخ سليمان الراجحي في منزله (الجزء الثاني)

مع الشيخ سليمان الراجحي في منزله (الجزء الثاني)

في الجزء الثاني من لقائنا بالشيخ سليمان الراجحي قلنا له مشروعاتك كثيرة، ما شاء الله، نسأل الله أن يزيدك من فضله، فأي منها هو الأقرب إلى قلبك والأحب إلى نفسك؟
يقول الله سبحانه وتعالى (وتحبون المال حباً جماً)، فكل مشروعاتي حبيبة إلى قلبي، وكل مشروع له عطاؤه المختلف ومذاقه الخاص به، فالقلب موزع بين المشروعات كلها. وهي كالزوجات تماماً، كل منها يجب أن تعطى حقها (يضحك).

with-alrajhi22-41

كيف ترى قيم العمل عند شبابنا، ومدى التزامهم بمتطلبات العمل الناجح؟
إذا كان الشاب يريد أن يستمع إلى نصيحتي فإني أنصحه بأن يعود نفسه على الطموح، ويعتمد على الله ثم على نفسه، ولا ينتظر مساعدة من أحد لا أب ولا غيره، وأن يضع نصب عينيه أن هناك مسؤوليات ومشاريع كثيرة تنتظره من زواج وبيت وأولاد، وألا يكون كل إنجازه أن ينتظر وفاة أبيه لكي يرثه! ولو ورث أباه فكم سيكون نصيبه بين إخوانه وزوجات أبيه، وربما وجد أن أباه استدان جزءاً كبيرًا من ماله، وربما وجد أن هناك الكثير من الأقساط التي ما زالت في انتظاره، وبالتالي فإنه يجب على كل شاب أن يبني روح الطموح في نفسه ويتعلم كيف يكوِّن نفسه، كما يجب أن يكون عمله مبرمجاً؛ بحيث يقسم وقته بين متطلبات الحياة… مثلاً من الساعة كذا للعمل ومن الساعة كذا للعائلة، ومن الساعة كذا للوالدين. ويجب أن يكون الشاب باراً بوالديه، قريباً منهما، وعليه أن يتعرف طريقة نشأة أبيه، ويقتدي به في نجاحاته، كما أن عليه ـ لكي يكون ناجحاً في حياته ـ أن يدرس مسيرة الناجحين لأخذ العبرة منها سواء كان سليمان الراجحي أو غيره. وحقيقية أقول لك إن من شبابنا من يساوي الملايين ومنهم ـ كغيرهم من لا يساوي ألف ريال.
جاءك شاب سعودي لديه مائة ألف ريال، ويريد أن يبدأ مشروعاً ما، فما هو توجيهك له؟
توجيهي له ـ أولاً ـ هو الجد والنشاط والمثابرة، فإذا كان النشاط الذي دخل فيه يبدأ الساعة السابعة صباحاً، فعليه أن يسابق السوق ويفتح محله قبل الناس، في الساعة السادسة أو السادسة والنصف صباحاً مثلاً ليبيع قبل الناس، وأن يحرص على أن يكون آخر من يغلق محله ليبيع بعد الناس، وأن يصبر ولا يستعجل النتيجة. أما إذا كان يريد من أول دخوله في التجارة أن يسافر اليوم إلى دبي، وغداً إلى أمريكا، وبعد غدٍ إلى إنجلترا، فإن المائة ألف أو المليون ضاعت كلها في التذاكر والأكل والسكن في الفنادق حتى قبل أن يبدأ مشروعه، ثم عندما يجد نفسه على حافة الإفلاس يحمل خطأه لغيره، فيقول ـ مثلاً ـ فشلت لأن الدولة لم يعفني من الرسوم وغير ذلك من الأعذار.
إلى أين وصل مشروع جامعة الشيخ سليمان الراجحي؟
نتوقع أن تمنح لها الرخصة قريباً إن شاء الله.
باسم سليمان الراجحي أم باسم آخر؟
لم نصل إلى اسم معين إلى الآن، والشباب (يقصد أبناءه) هم الذين يتابعون المشروع ويقومون عليه، وقد فوضناهم في الأمر، ونتمنى من الله أن يوفقهم.
النجاح ـ كما يقال ـ ناتج اجتماعي، وإخوانك، ما شاء الله، كلهم ناجحون، الشيخ صالح والشيخ عبد الله والشيخ محمد، فكيف كان مستوى التعاون والثقة فيما بينكم؟
الثقة بين الشركاء ضرورية، سواء كان الشركاء إخواناً أم غيرهم، ومن توفيق الله أن نياتنا جميعاً كانت طيبة، وكنا صادقين في تعاملنا. فارتباطنا الصادق وإخلاص كل منا للآخر هما سبب نجاحنا ووصولنا إلى ما وصلنا إليه.
ما هو تقييمك كرب عمل لخريجي الجامعات السعودية في الوقت الحاضر؟
إذا قلت لكم رأيي فربما تزعلون مني (يضحك) وعلى كل حال، فأنا غير مرتاح إلى سلوك كثير من شبابنا الخريجين، فمثلاً: يأتيني الخريج وأوافق على تعيينه براتب قدره (5000) ريال مثلاً، وبمجرد ما يجد عملاً في القطاع الحكومي بـ (3000) ريال يترك عملي ويذهب إلى القطاع الحكومي. فهذا إن دل على شيء يدل على حب الشباب للكسل والاسترخاء وضعف الطموح لديهم، وأنا لا أرضى مثل هذا لشبابنا.
ألا يفكر هذا الشاب الذي قبل بـ (3000) ريال بمستقبله وفي مسؤولياته، وأنه ستكون له زوجة وأولاد؟ وكيف سيكوِّن الشاب نفسه من هذا المبلغ؟ لماذا لا يكافح ويعمل بجد بدلاً من أن يقول وظيفتي في القطاع الحكومي صغيرة ولكنها مريحة، فليست هناك مشكلة إذا تأخرت مثلاً. أما في القطاع الخاص فأنا مطالب بالحضور المبكر، وأن أتعامل مع الناس بابتسامة وإن كنت لا أريد الابتسام. فأقول مرة أخرى للشاب الذي يقبل بـ(3000) ريال في القطاع الحكومي، ويرفض العمل بأكثر من هذا المبلغ في القطاع الخاص، ألا تطمح إلى تطوير نفسك، وأن يكون لديك بيت خاص؟ وأن تؤدي مسؤولياتك تجاه نفسك ووالديك وزوجتك وأولادك؟
فمسؤوليتك أيها الشاب تبدأ من البحث عن العمل الذي يمنحك راتباً أكبر، ومستقبلاً أفضل، ومهما يكن فيه من تعب وإرهاق، فيجب أن تكافح وتعمل كما كان يفعل آباؤك وكل الناجحين قبلك في الدنيا. فقد كان عملنا يبدأ مع شروق الشمس وينتهي مع غروبها، فكنا نقضي اليوم كله في كد وعمل. بينما الآن تجد الطالب الجامعي لدينا يُمنح مكافأة شهرية مقدارها ألف ريال وهو ما زال على مقاعد الدراسة حتى قبل أن يدخل مجال العمل فلا يفيد شيئًا من هذا المبلغ؟! وهذا شاب أتى من شرق آسيا يتقاضى رتبًا قدره (400) ريال فقط؛ يأكل منها ويلبس، ويعيل أهله، ويكوِّن منها نفسه، ويتزوج، أليس هو ابن آدم مثلك؟! لكن الاختلاف بينكما أنك مع أنك تجد وجبة (زينة) في البيت، إلا أنه لا يروق لك إلا وجبة من المطعم اللبناني مع زملائك تصرف عليها مائة ريال أو مائتين، فماذا سيبقي من مكافأة الألف ريال بعد ذلك؟ بالتأكيد ستذهب كلها في وجبتين أو ثلاث. وأقول هنا للعبرة أني في عام 1363هـ كنت أعمل مع سليمان السعيد بريالين في الشهر، وأُمنح (15) قرشاً من أجل الفطور والغداء، وكنت أدخل السوق بهذا المبلغ فأفطر وأتغدى وأوفر منه. وعلى الرغم من التعب الذي كنا نعانيه في ذلك الوقت، إلا أن عاقبته خير، الآن ـ وللحمد لله ـ  عمري 79 عاماً، ومع ذلك صحتي ـ بفضل الله ـ أحسن من كثير من الشباب فليست كثرة الأكل هي التي تنفع الإنسان.
وما هي وجهة نظركم في مستقبل الاقتصاد السعودي؟
من ناحية الاقتصاد نحن الآن، بفضل الله، نسير من حسن إلى أحسن، فلدينا ثروة منجمية تتنوع بين الذهب، والنحاس، والزنك…الخ. فالمملكة، ولله الحمد، أصبحت من أفضل دول العالم في توافر الخيرات، ولكن علينا دائماً أن نسعى إلى الأفضل، فالمملكة مقبلة على زيادة في عدد سكانها، وهؤلاء القادمون الجدد يحتاجون إلى عمل وإلى سكن…الخ ومن أجل ذلك يجب على كل شاب أن يبدأ من الآن، في البحث عن فرصته وأن يهيئ نفسه لمتطلبات العمل، وأن يستعمل عقله والمواهب التي منحه الله إياها بالكامل، وأن يكون ذا إرادة قوية، ويعرف أنه في حاجة إلى تأمين مستقبله، فإذا لم يعمل من الآن على تكوين نفسه ويبحث عن العمل، فلن يكون ناجحاً. فإذا افترضنا جدلاً أن إنسانًا أحيل إلى التقاعد براتب (2000) ريال، فكيف سيقوم بمسؤولياته تجاه زوجته، وأولاده وكيف سيصرف على علاج نفسه وأولاده لو قدر الله أن أحدًا منهم مرض مثلاً! من أجل ذلك يجب على الشاب أن يكدح ويعمل في شبابه لتأمين مستقبله، وألا يقول (كُل ما في الجيب يأتك ما في الغيب) أو (هذا رزق اليوم ورزق غدٍ…الله كريم)، فالله سبحانه وتعالى كريم حقًا لكنه أمرنا أن نعمل، وأمرنا رسوله صلى الله عليه وسلم أن نعمل، وأمرنا أن نكون أمة منتجة. فعلى الشباب أن يفتحوا صفحة جديدة في حياتهم ويغيروا أسلوبهم ويفكروا تفكيراً جديداً.
ما رأيك بجامعة الأمير سلطان وخريجيها تحديدًا؟
تعدّ جامعة الأمير سلطان وكذلك جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية فتحًا جديدًا في مجال التعليم، ومثل هذه الجامعات تعد محاضن قوية لاحتضان شبابنا وإتاحة تعليم راق لهم في ربوع وطنهم بعد أن كانوا يلجأون إلى دبي أو غيرها من دول الخليج الأخرى بحثًا عن مثل هذه الجامعات. فكون أبنائنا يتوفرون على ما يصبون إليه من تعليم بين أهلهم وتحت رقابة والديهم أمر في غاية الأهمية؛ لأن الجيل الحالي يميل أكثر إلى اللعب، فيحتاج إلى من يساعده بالتوجيه والرقابة أثناء مسيرته التعليمية. والتقصير حقيقة حاصل من البيت، سواء من الأب أو الأم أو من الاثنين معاً. والملك جزاه الله خيراً وكثر خيره، (وهي دعوة خالصة يجب على كل صادق أن يدعو له بها من صميم قلبه وكذلك لولي عهده ولكافة الأسرة المالكة)…أقول: إن الملك عندما أمر بفتح جامعة في كل منطقة؛ مثل حائل وعرعر وسكاكا ونجران وجيزان…وغيرها، فإن من أهدافه ـ حفظه الله ـ  من ذلك أن يتم احتضان كل أبناء منطقة في منطقتهم، ليبقوا بالقرب من أهاليهم، وهو عمل جيد من الدولة. وانتم تعلمون ـ باعتباركم ممن درسوا خارج المملكة ـ أن أكثر الجامعات في أوروبا وأمريكا وشرق آسيا تملكها شركات رأسمالية أو بنوك مالية تستفيد منها. أما حكامنا فيصرفون الغالي والنفيس على هذه الجامعات دون مردود مادي لهم إلا رغبتهم في توفير تعليم عال يليق بمستوى المملكة وأبنائها. من هنا أدعو أبناءنا الذين سافروا وتحصلوا على الشهادات العليا أن يتبنوا هذا الجيل، ويخرجوا لنا جيلاً جديداً أعلى كعبًا من الأجيال التي سبقته، وألا يتأخروا عن إضافة أي لبنة تفيد الوطن وأبناءه، وهذا قليل من كثير يجب عليهم تقديمه مقابل ما صرفت عليهم الدولة حتى وصلوا إلى مراكز ممتازة من حيث التحصيل العلمي والمركز المرموق. وأتمنى من أساتذة الجامعات أن يكونون آباءً وأمهات لهؤلاء الشباب ولهؤلاء البنات حتى يتربوا على قيم العلم والعمل.
مُنحتم أوسمة وجوائز كثيرة خلال مسيرتكم الحياتية والعملية تقديرًا لإنجازاتكم، ومنها وسام الملك عبد العزيز، وجائزة حائل للأعمال الخيرية، وجائزة اليوروموني التي تمنح لأفضل المصرفيين في العالم، فماذا تعني لك تلك الأوسمة والجوائز؟
حقيقة يشرفني أن أُمنح وساماً كوسام الملك عبد العزيز، فحكامنا، جزاهم الله خيراً، يقدرون كل الذين يخدمون الوطن، أما الجوانب الأخرى للجوائز فلا تهمني، وكل ما يهمني هو ماذا قدمت لوطني، فأنا لم أقدم إلا القليل مما أعتبره ضريبة مستحقة علي للوطن، وأتمنى من الله أن يعينني فيما بقي من عمري على أن أقدم المزيد لوطني.
هناك أشرطة توثيقية تم إصدارها حول مسيرتكم، وسيتم قريباً إصدار كتاب حول نفس الموضوع، فما الجديد الذي سيحمله لنا الكتاب؟
سوف يضمّن في الكتاب كل المواد التي نشر في الصحف والمجلات عن حياتي طوال السنوات الماضية، إضافة إلى المحتوى نفسه للأشرطة، والهدف من إصدار هذا الكتاب هو أن ينتفع به الشباب المسلم (وأؤكد على كلمة الشباب المسلم)، وسوف يتم إصدار الكتاب بإذن الله بعدة لغات.
المصرفية الإسلامية هل هي موضة من الموضات أم أنها تجارة قائمة على أسس صحيحة ومحسوبة تجاريًا، تسد حاجة فعلية عند الناس؟
هي ليست ملابس أو مادة استهلاكية حتى تصير موضة، وإنما هي صناعة لها مميزاتها الحقيقية ومردودها المفيد؛ فمن ناحية الأمان هي أمان للمال أكثر من غيرها، ومن ناحية البركة فبركتها أكثر من غيرها، ومن ناحية طاعة الله سبحانه وتعالى، فهي أفضل من غيرها، إضافة إلى أنها تتيح لك كشخص تعمل في هذا المجال أن تعمل وأنت مرتاح نفسياً؛ لأنك ـ كمسلم ـ ستشعر في العمل المصرفي التقليدي بتأنيب ضمير لأنك تشعر أن هناك شيئاً ما خطأ في عملك. من أجل ذلك كله تجد إقبال الناس على المصرفية الإسلامية بل إن البنوك التقليدية نفسها الآن بعضها تحول كليًا أو جزئيًا إلى نظام المصرفية الإسلامية.
نما إلى أسماعنا أنكم ستطرحون أسهم الشركة الوطنية للصناعة للاكتتاب العام، فما الهدف من ذلك؟
حقيقة عندما يفكر الإنسان في تحويل شركة ما إلى شركة مساهمة، فإنه لا يفعل ذلك بالضرورة طمعاً في المال أو نتيجة عدم قدرته على القيام بأعبائها أو لعدم ثقته في أن أبناءه لن يستطيعوا إدارتها من بعده، أو نحو ذلك من الأمور الشخصية. فالثقة موجودة، ولله الحمد، بل ربما يكون السبب والدافع هو الهيبة التي تكتسبها الشركة المساهمة، حيث إنه عندما يكون هناك (100) أو (1000) مساهم، فإن الإنسان يخاف أن يلاحقه ويحاكمه هؤلاء الناس يوم القيامة، وعندها يكون حريصاً على الحفاظ على حقوقهم وإدارتها بكل ما أوتي من جهد لتسلم له آخرته أولاً وليتعدى نفعها إلى أكبر عدد ممكن من الناس.
قبل اللقاء سألت عن علاقتك مع أبنائك الذين يعملون معك ومع موظفيك بشكل عام، فأُخبرت أنها علاقة حسم وصرامة، فهل توافقون على وجهة النظر هذه؟
لست صارمًا معهم صرامة مطلقة في غير محلها، فأنا من دون شك أطالب أبنائي بالعطاء، وأطالبهم بالجدية وأوجههم توجيهاً أرجو أن يكون مباركاً إن شاء الله، وأطالب موظفيَّ أيضاً بالعطاء، فالله سبحانه وتعالى لم يخلقنا لنأكل ونشرب فقط، بل خلقنا لنعمر الأرض، فعلينا أن نساهم إلى جانب دولتنا في إعمار أرضنا.
تبرعات الشيخ سليمان الخيرية، ما شاء الله، بمئات الملايين، إلا أننا وجدنا أن حياتك الشخصية تطبعها البساطة، حتى إننا لم نتخيل أن يكون منزل الشيخ الراجحي بهذا الشكل، منزل عادي يغلب عليه التواضع، فما السبب في ذلك؟
هذا المجلس الذي ترونه بهذا الحجم كان أصغر من هذا، فاغتنم الأبناء (وفقهم الله) فرصة سفري وكبروه حتى صار بهذا الحجم (يضحك بعد أن علق أحد أبنائه الحاضرين بأن من فعل ذلك من الأبناء نال جزاءه)، فأنا أميل دائمًا إلى الشدة على نفسي وإهانتها دائماً، وأبنائي وبناتي وزوجاتي كلهم بحمد الله يشاركونني نفس النظرة إلى أنفسهم. وأنا مؤمن أنه ليس بكبر المجلس يكبر الإنسان، ولا بصغر البيت يصغر الإنسان، وإنما يستمد الإنسان قيمته من عمله وإنجازاته.
رأينا في هذه الأيام تسابق القبائل وتنافسها في مجال مزايين الإبل، فما رأيك في مثل هذه المنافسات؟
أقول إن هذا العمل خطأ من نواح عديدة؛ لأنه يفتح باب العداء بين القبائل، ويوجه ثروة اقتصادية مهمة إلى وجهة غير سليمة، فماذا تستفيد الإبل من الملايين التي جُمعت؟ فالبعير مهما كان سيبقى بعيرًا (يضحك). ولو بنوا بهذه المبالغ عمائر ونقلوا إليها فقراءهم وأيتامهم ـ مثلاً ـ لنالوا أجراً كبيراً على العمل الذي هو عمل بر وصلة رحم في الوقت نفسه.
نعرف أنك تضحي كل سنة عن أحد مشايخك مما يعد نموذجًا قل مثيله من البر، فماذا عن قصة هذه الأضحية؟
هذا الشيخ هو علي بن عبد الله، جزاه الله خيراً. والسبب في أنني أضحي عنه كل سنة أنه كان يدرسني وغيري من أبناء المسلمين، وفي يوم من الأيام أخبرته أن والدتي قادمة من القصيم فأعطاني ريالاً وقال لي اشتر به ثوباً والبسه لتقابل فيه أمك، فأخذت الريال واشتريت منه ثوباً بأربعة عشر قرشاً، وغترة بسبعة قروش، وشعرت حينئذ بأني أكبر إنسان في الدنيا، وبعد أن قابلت أمي ورجعت إلى الدراسة عصرًا قلت للشيخ: جزاك الله خيرًا، لقد اشتريت بريالك ثوباً وغترة وبقي قرش، فقال: وهذا القرش هدية لك، فهذا الريال الذي رفع رأسي في تلك الساعة وأنا ذاهب إلى أمي غرس في قلبي حب هذا الشيخ وتقديره. وبراً بهذا الشيخ الجليل حججت واعتمرت عنه بنفسي، وأضحي عنه كل عام وكتبت في وصيتي أن تستمر التضحية له بعد موتي وأنا أدعو له كلما ذكرته.
ألا تخاف ـ بعد عمر مديد إن شاء الله ـ أن يختلف أبناؤك حول ثروتك، وهل هناك ترتيب لتفادى مثل هذا الأمر؟
أنا مرتاح وعلى قناعة تامة بأن أبنائي ـ بحمد الله ـ متحابون متآلفون، إلا نني أعلم مع ذلك أن الشيطان حريص على التفرقة. فربما تربو هذه الأموال في أيديهم، وتكون أفضل مما هي عليه الآن، وهذا ما أرجوه، وربما ينزغ الشيطان بينهم فيختلفون، ويأخذ كل واحد منهم نصيبه فينجح بعضهم ويخفق آخرون، وهذا يعود لهم هم، ولا يعيب أبناءهم أن يصيروا بعد ذلك فقراء مثلما كنت أنا فقيراً فمن الله علي بفضله وكرمه، وليس هناك مانع أيضًا من أن يصيروا أحسن مني. وأنا لا أملك إلا أن أحثهم على التماسك وعدم الاختلاف والبعد عن الفرقة، وأن أعمل جهدي في سبيل ذلك، وأدعو لهم بالتوفيق، على الرغم من أنهم صاروا شياباً، والبعض منهم صار جداً (يضحك). وأما ما يخص نصيبي أنا منه فقد تصرفت فيه (يقصد الوصية) وبقي نصيبهم هم يفعلون فيه ما يشاءون، وأوصيهم أن يتقوا الله فيه وفي أنفسهم.
هل تسمح لنا أن نسألكم عن عمادة الرواجح وكيف يتم اختيار العميد، هل بناءً على حذقه أم ماله؟
ليس للرواجح الآن عمادة، على الرغم من أن بعض الشباب يقولون فلان عميد، ففي السابق كان الأفضل والأحذق هو الذي ينال العمادة، أما الآن فلا يوجد شيء من هذا القبيل، ولكن هناك ـ بحمد الله ـ تلاحم وترابط داخل العائلة، ولجميع أفراد عائلة الراجحي مقصورة يجتمعون فيها في المناسبات، ويحتفلون فيها في الأعياد وغيرها من المناسبات كمناسبات الزواج، ويحتضنون فيها شبابهم وشاباتهم الصغار ويوجهونهم دينياً واجتماعياً، ويربونهم فيها تربية حسنة، كما يوجد من شبابنا متبرعون متحمسون لهذا العمل،  جزاهم الله خيراً، وصار لهم الآن صندوق فيه من الخير ما يكفي العائلة إن شاء الله.
وكم عددهم؟
لسنا ـ معشر الرواجح ـ بكثيرين، فنحن فخذ من بني زيد، وأعتقد أن عددنا بما فيه الرجال والنساء لا يتجاوز الـ(4) آلاف فرد.
سؤال أخير إذا سمحتم لنا.. مسجد الراجحي بشرق الرياض باعتباره من معالم الرياض، أصبح مطمح كثير من الناس أن يتولى إمامته، وقد سمعنا أن هناك شخصية كبيرة، طلبت منكم أن تسندوا إليها إمامة المسجد فلم تلبوا طلبها، فهل هذا صحيح؟
كثير من الناس، جزاهم الله خيراً، طلبوا تولي إمامة المسجد، إلا أننا اخترنا إمامًا محبوبًا عند الناس ومعروفًا بأخلاقه وأدبه وحسن أدائه سواء في القراءة أو في الخطب، وعرفناه منذ زمن بعيد، وعرفنا فيه ولاءه وحبه لوطنه، وهو بلا شك محل رضا في علمه وخلقه، ولهذا السبب وقع عليه الاختيار لتولي هذه المهمة، والآن، الحمد لله جميع المصلين راضون عنه، حسبما نرى ويصلنا حول ذلك.

الوسوم:
السابق:
التالي:

عن د. عبيد العبدلي

19 تعليقات

  1. رائع كالجزء الاول !

  2. يعطيك العافية دكتور،،

    الله يكثر امثاله ويطيل عمره وييرزقنا وإياه من حيث لانحتسب،،،

  3. Thanks for posting, I truly liked your newest post. I think you should post more often, you clearly have natural ability for blogging!

  4. اجل شاب من شرق اسيا يتزوج وله عائلة ومابقى الا يتاجر ب 400 ريال

    ماجرب يدفع اجار شقة لاهله بمايقل عن 20 الف في حي عادي
    ماجرب يدفع غصب عليه مواد غذائية اساسية زادو فيها التجار بشغل استغلالي بشع
    ماجرب يصلح سيارته عن وكيل مايخاف الله لا في قطع غيار او في صيانة
    ماجرب يخسر كل ماله في سوق اسهم وعقار اقل مايسمى فوضى وضيع مال للمساكين

    مطاعم لبنانية الوجبة ب 400 ريال
    رواتبنا يالله اجابت علبة الحليب اللى كل شهر تزيد عشرة وعشرين

    اللى يده في الماء ليس كالذي يده في النار

    كفاح وتعب وشقى يضيع في القطاع الخاص ومديرك من الجنسية العربية
    حقود حسود يدور الزلة عشان تعاقب وتطرد بس لانك سعودي

    اتمنى يعرض التعليق

  5. ربنا يوفق الجميع بغض النظر عن جنسيته من جد وجد واكبر مثال الشيخ سليمان وغيره في هذا الوطن الحبيب

  6. أحمد الراجحي

    الله يطول في عمرك ياشيخ دائما تضرب لنا دروس كبيرة في التواضع

    شكرا لصاحب الموقع

  7. اتمنى منالله عزوجل ان يمد في عمر الشيخ ويكفي كفاحه حتى وصل الى ماوصل اليه والله يزيده من نعيمهوهو مدرسه بحد ذاته لمن اراد النجاح

  8. يعطيك العافية دكتور مقابله رائع وانسان متواضع

    مثل الشيخ سليمان الراجحي

    والله اشي يفرح الله يرزقه ويرزقنا المال الحلال والله يكثر من امثالة ويرزقنا رزق الحلال مثل ما رزقة

  9. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أخي لو تكرمت لدي سؤال أكون لك شاكرة داعية لو أجبتني عليه:

    هل للشيخ سليمان الراجحي ولد اسمه فيصل..؟

    أرجو ألا يشرق ويغرب عابر هنا في ظنونه فكل مافي الأمر أني رأيت رؤيا غريبة في هذا الإسم
    وأنا لا أعرفه واتفق في تعبيرها المفسرون وتعجبوا منها ومازالت هذا الرؤيا في حصن حصين
    في نفسي ولم أخبر بها أحد قريب كان أو بعيد ، لكن ورود هذ الإسم شغلني فإن تأكد لي بأن للشيخ
    سليمان ولد بهذا الإسم فوالله لأنها رؤيا حق وأسأل الله أن يعطيه من خيرها ويكفيه شرها إن وقعت..

    دمت بأتم الخير

  10. مقابلة رائعة

    الحقيقة فعلا اسعدني والأجمل قصة الشيخ الذي يتبرع عنه .

  11. يارب ان تتقبل عمل هذا الرجل وكل رجل يتبرع في سبيل الله وان تجعل اعمالهم في ميزان حسناتهم وان تجعلهم ذخرا للاسلام والمسلمين .
    اسال الله ثم اسالك يا شيخ بمساعدتي بمبلغ من المال حتى اعمل مشروع اقتصادي اعيش انا واسرتي منه في غزة
    وكل من يعرف تلفون الشيخ ان يوصلني له والدال على الخير كفاعلة ولكم التقدير والاحترام مني انا اخوكم ابو محمد ومن لدية اي دعم ارجو التواصل على هذا الاميل رقم الحساب99316 بنك فلسطين hghsghl1@hotmail.com

  12. الله يستر علية ويرزقة الله ابغا منك المساعدة جزاك الله الف خير

  13. ساميه الشناق

    الله يكتر من امثالك الخيره يل شيخ سليمان ويديمك ويعطيك طولة العمر
    ساميه من الاردن

  14. علي محمد علي راقع

    ومنكم نتعلم يادكتور/عبيد العبدلي……،ومنكم نستفيد ياشيخ/سليمان الراجحي.

    انتم حفظكم الله وبارك فيكم دليلا على الطموح وعلى الكفاح والصبر .

  15. اسامة الهاشم

    يعطيك العافية سعادة الدكتور/ عبيد … مقابله رائع وشخصية متواضعه وأكثر من رائعة..

  16. كلام مليء بالحكمة، شكراً جزيلاً على إخراجها الينا، ولا تخرج إلا لسائل مؤدب و مستمع جيد.

    1- تعليق سليمان الراجحي على الشاب من شرق آسيا تكفيه الـ 400 ريال، لم يكن يقصد مقارنته بشاب سعودي بنفس الدخل، وهذا واضح جداً من كلامه عن الشاب بـ 3 الاف ريال تصعب عليه امور الحياة.
    بل المقصد هو أن الشاب من شرق آسيا لم يعد إلى بلده بل ظل مجتهداً مكافحاً. وهو لدفع الشباب إلى عدم الركون إلى الوظائف الحكومية، فالكسل يقتل الإنسان قبل الموت.

    2- نصيحته للشاب ألا ينتظر وفاة والده فاجأتني! لكن تذكرت أنه قد يعيش هذا الهم أو أنه يجد هذا الهم عند من حوله من التجار؛ بينما العائلة الـ”عادية” من الطبقة المتوسطة لا أجد هذا منتشر ولا مشاهد بيننا، بل نادر جداً. فالحمدلله البر و حب الوالدين هو الأصل الدارج.

    3- قصة الوفاء هذه جميلة جداً، و فعلاً من يقف معك وأنت لاتملك لهم شيئاً يفيدهم فإنك تتعلق بحبهم لمعرفتك أن وقوفهم ذاك كشف معدن صافي رائع. أما بعد شهرتك أو غناك أو وجود مصلحة، فالجميع طيب ويخدمك بماتريد، فيصعب اكتشاف المعادن الصافية.

    4- قال جملة حكيمة وعميقة: “ولا يعيب أبناءهم أن يصيروا بعد ذلك فقراء”..! البعض يرى أن نسل الغني إذا أصبحو فقراء فهذا يعكس سوءهم أو غباءهم…الخ. لكن هذا غير صحيح، فقد يكونو مترابطين لكن يتخذون قرار خاطئ. التاجر خط يخسر ماله، و تخطيطه و توزيع سلة استثماره مجرد زيادة في إنماء الرصيد والحفاظ عليه من النقص، لكن لايعني أنه ضمن الغنى!
    لا يعيبهم أن يصيرو بعد ذلك فقراء. بمثلها لايشرفهم أن يكونو أغنياء.

    فكما قال في موضع آخر، “وأنا مؤمن أنه ليس بكبر المجلس يكبر الإنسان، ولا بصغر البيت يصغر الإنسان، وإنما يستمد الإنسان قيمته من عمله وإنجازاته”.
    المال بحد ذاته لايعكس من أنت.
    و نجاحك لا تعكسه ثروتك المالية أبداً.
    نجاحك سيعكسه عطائك المالي، بيد أنه ليس العطاء الأهم او الأساسي، بل هو عطاء مهم كغيره من ثرواتك التي ينبغي أن تعطي فيها، من علم و جاه و مهارة و عاطفة وغيرها من الثروات التي وهبها إياك الله لتفيد غيرك وتكون فعال في مجتمعك.

    كلامه متسق و يعكس رؤية واضحة لما يؤمن به ولأهدافه، اسأل الله أن يوفقنا وإياه للخير. وشكراً لك أستاذي مرة أخرى.

  17. بانتظار الكتاب واتمنى انه يكون له اعلان قوي يناسب حجم الراجحي حتى الكل يستطيع يقراه

Leave a Reply

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . Required fields are marked *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

لأعلي